الحدث

سعيود يتراجع إلى النقل، مراد يعود للداخلية ومقرمان يدخل الرئاسة  

بعد 42 يوماً فقط من التعديل الحكومي الذي أُجري في الأول من سبتمبر الماضي، أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون توزيع المسؤوليات على رأس وزارتي الداخلية والنقل، في خطوة تثير تساؤلات حول خلفياتها السياسية، خاصة أن أبرز المتأثرين بها، سعيد سعيود، كان قد تعرض لانتقادات رئاسية علنية بسبب تصريحاته حول ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية.

وفي المقابل، استعاد إبراهيم مراد حقيبة الداخلية بصفة وزير دولة، فيما جاء تعيين الدبلوماسي لوناس مقرمان مديراً لديوان رئاسة الجمهورية خلافاً لبعض التوقعات التي تداولت اسم كمال سيدي سعيد لخلافة الراحل بوعلام بوعلام.

تعديل جديد بعد 42 يوماً فقط
لم تمضِ سوى 42 يوماً على التعديل الحكومي الذي شهدته الجزائر في الأول من سبتمبر 2026، حتى أعلن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الثلاثاء 13 أكتوبر، تعيينات جديدة مست وزارتين من أهم قطاعات الجهاز التنفيذي، إلى جانب منصب حساس داخل مؤسسة الرئاسة.

وبموجب هذه القرارات، عُيّن إبراهيم مراد وزير دولة، وزيراً للداخلية والجماعات المحلية، فيما أُسندت وزارة النقل إلى سعيد سعيود، الذي كان يجمع بين القطاعين منذ سبتمبر 2025.

كما عُيّن لوناس مقرمان مديراً لديوان رئاسة الجمهورية، خلفاً للراحل بوعلام بوعلام.

ورغم أن التغيير الحكومي اقتصر على إعادة توزيع حقيبتي الداخلية والنقل، فإن أهميته لا تكمن في عدد الوزراء المعنيين، بل في طبيعة المواقع التي شملها، والسياق السياسي الذي سبق الإعلان عنه.

فالداخلية ليست وزارة خدماتية عادية، بل تمثل أحد أهم مفاصل الإدارة المركزية والإقليمية، بالنظر إلى إشرافها على الولاة والجماعات المحلية وتنفيذ السياسات العمومية على المستوى المحلي.

أما ديوان رئاسة الجمهورية، فيحتل موقعاً محورياً في تنظيم العمل الرئاسي ومتابعة الملفات والتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة.

ومن هنا، فإن التعيينات الجديدة تبدو أقرب إلى إعادة ترتيب لمواقع المسؤولية منها إلى مجرد حركة إدارية محدودة.

سعيود، تصريح يلقى استحساناً شعبياً لكنه يثير انتقاد الرئيس
يبدو سعيد سعيود الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام في هذا التعديل، بالنظر إلى ما سبقه من أحداث وتصريحات.

ففي 29 سبتمبر الماضي، تحدث سعيود عن الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار الخضر والفواكه، مستغرباً وصول سعر الطماطم إلى 200 دينار للكيلوغرام خلال شهر أوت، ومعتبراً أن الجزائر لم تعرف مثل هذه المستويات منذ ستين عاماً.

وقد لاقت تصريحاته استحساناً لدى بعض المواطنين، الذين رأوا فيها اعترافاً مباشراً بواقع الغلاء والصعوبات التي تواجه الأسر الجزائرية في الحفاظ على قدرتها الشرائية.

وبالنسبة إلى هؤلاء، بدا سعيود وكأنه يعبّر عن انشغالات المستهلكين بلغة مباشرة، بعيداً عن الخطاب الإداري الذي يميل أحياناً إلى التركيز على المؤشرات والإجراءات الحكومية، غير أن هذا الموقف لم يمر دون رد من رئيس الجمهورية.

فخلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام، الذي بُث في الثالث من أكتوبر، انتقد تبون التصريحات التي تتحدث عن أسعار لم تشهدها الجزائر منذ ستين سنة، معتبراً أن مثل هذا التوصيف ينطوي على مبالغة.

ورغم أن الرئيس لم يذكر سعيود بالاسم، فإن مضمون الانتقاد كان مرتبطا مباشرة بتصريحاته السابقة.

وهنا ظهرت مفارقة سياسية لافتة: ما اعتبره بعض المواطنين تعبيراً صريحاً عن معاناتهم اليومية، قابله الرئيس بتصويب علني، رافضاً المبالغة في توصيف الوضع الاقتصادي.

وبعد عشرة أيام فقط من بث الانتقادات الرئاسية، جاء القرار الذي سحب من سعيود وزارة الداخلية والجماعات المحلية، وأبقى له وزارة النقل وحدها.

هذا التسلسل الزمني يطرح سؤالاً سياسياً مباشراً: هل أثارت تصريحات سعيود حفيظة الرئيس، وكانت أحد العوامل التي ساهمت في تقليص صلاحياته؟

لا يوجد تأكيد رسمي يربط القرار بتلك التصريحات، لكن التقارب الزمني بين الواقعتين يجعل السؤال مشروعاً في إطار التحليل السياسي.

سعيود، من وزير واسع الصلاحيات إلى حقيبة واحدة
بعيداً عن الجدل المرتبط بالقدرة الشرائية، فإن التعديل الجديد يمثل تغيراً واضحاً في الموقع الحكومي لسعيد سعيود.

فمنذ سبتمبر 2025، كان الرجل يشرف على وزارة تجمع الداخلية والجماعات المحلية والنقل، وهو ما منحه مسؤوليات واسعة تمتد من متابعة الإدارات المحلية إلى تسيير قطاعات النقل البري والجوي والبحري.

وكانت وزارة الداخلية تمنحه موقعاً مباشراً في متابعة نشاط الولاة والبلديات والملفات المرتبطة بالتنمية المحلية، فضلاً عن التنسيق مع مختلف مؤسسات الدولة.

أما اليوم، فقد تقلص مجال مسؤولياته إلى وزارة النقل وحدها.

ورغم أهمية هذا القطاع اقتصادياً واستراتيجياً، فإن فقدان حقيبة الداخلية يمثل تراجعاً ملموساً في حجم الصلاحيات ومجال التأثير الإداري، لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة فقدان الثقة الرئاسية بصورة كاملة.

فالإبقاء على سعيود عضواً في الحكومة يشير إلى استمرار تكليفه بمسؤولية تنفيذية، وقد يكون القرار مرتبطاً برغبة في فصل قطاع النقل عن الداخلية، بعد تجربة جمعهما تحت إشراف وزير واحد.

ومع ذلك، فإن النتيجة المؤسسية لا تحتمل كثيراً من التأويل: سعيود خسر حقيبة ذات وزن سياسي وإداري كبير، ولم يعد يتمتع بمجال المسؤولية نفسه الذي كان يشغله قبل التعديل.

إبراهيم مراد، عودة إلى قلب الإدارة
في المقابل، عاد إبراهيم مراد إلى وزارة الداخلية والجماعات المحلية، محتفظاً بصفة وزير دولة.

وتكتسب هذه العودة أهمية خاصة لأن مراد سبق أن تولى الوزارة نفسها، قبل تعيينه وزير دولة مكلفاً بتفتيش مصالح الدولة والجماعات المحلية.

وبذلك، يستعيد مراد مسؤولية قطاع يعرف آليات عمله، ويمتلك تجربة مباشرة في تسيير ملفاته.

ومن الناحية السياسية، فإن عودته بالتزامن مع سحب الداخلية من سعيود تعكس إعادة توزيع واضحة لمواقع المسؤولية داخل الحكومة.

فبينما تقلصت صلاحيات سعيود، عاد مراد إلى حقيبة تمنح صاحبها حضوراً مباشراً في إدارة الشأن الداخلي ومتابعة الولايات والجماعات المحلية.

وقد يعكس هذا الاختيار رغبة في الاستفادة من خبرة مراد السابقة، أو إعادة تنظيم الإشراف على الإدارة، خاصة في ظل الملفات المرتبطة بالتنمية المحلية والخدمات العمومية.

لوناس مقرمان، مفاجأة داخل ديوان الرئاسة
لم يقتصر التغيير على الحكومة، بل امتد إلى ديوان رئاسة الجمهورية، حيث اختار الرئيس تبون الدبلوماسي لوناس مقرمان مديراً للديوان، خلفاً للراحل بوعلام بوعلام.

ويكتسي هذا التعيين أهمية خاصة بالنظر إلى موقع مدير الديوان في تنظيم العمل اليومي للرئاسة، ومتابعة الملفات والتنسيق بين مختلف المصالح والمؤسسات.

وكانت بعض التوقعات قد وضعت أسماء أخرى في الواجهة لخلافة بوعلام بوعلام، من بينها كمال سيدي سعيد، مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالمديرية العامة للاتصال.

غير أن الرئيس اختار لوناس مقرمان، الذي سبق له تولي منصب الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية، إلى جانب مسؤوليات دبلوماسية وإدارية متعددة.

ويطرح هذا الاختيار تساؤلات حول طبيعة الخبرة التي فضلت الرئاسة الاعتماد عليها في إدارة الديوان.

فبدلاً من إسناد المنصب إلى شخصية مرتبطة بالجهاز الاتصالي للرئاسة، وقع الاختيار على مسؤول ذي مسار دبلوماسي، وهو ما قد يعكس تفضيلاً للخبرة في التنسيق المؤسسي وإدارة الملفات السياسية والخارجية.

كمال سيدي سعيد، لماذا لم يقع عليه الاختيار؟
كان اسم كمال سيدي سعيد حاضراً في بعض التوقعات المتعلقة بمن سيخلف بوعلام بوعلام على رأس ديوان رئاسة الجمهورية.

ويشغل سيدي سعيد منصب مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالمديرية العامة للاتصال، وهو موقع يمنحه دوراً في إدارة السياسة الاتصالية للمؤسسة الرئاسية وعلاقاتها بوسائل الإعلام.

وكان من الممكن أن يمثل انتقاله إلى إدارة الديوان توسيعاً لمسؤولياته داخل الرئاسة، من الاتصال إلى التنسيق الإداري والسياسي الأوسع، لكن اختيار مقرمان أظهر أن القرار الرئاسي اتجه نحو مسار مختلف.

وإن كانت التوقعات المتداولة تشكل في حد ذاتها دليلاً على وجود منافسة داخل الرئاسة، إلا أن الاختيار يبرز أهمية التمييز بين الأسماء التي تتداولها الأوساط السياسية والإعلامية والقرارات الفعلية التي يتخذها رئيس الجمهورية.

هل نحن أمام إعادة ترتيب لمراكز النفوذ؟
عند جمع القرارات الثلاثة في قراءة واحدة، يظهر أن الرئيس تبون أعاد توزيع مسؤوليات مؤثرة داخل الحكومة ومؤسسة الرئاسة.

ففي وزارة الداخلية، عاد إبراهيم مراد إلى موقع سبق أن تولاه، بينما فقد سعيد سعيود الإشراف على الإدارة المحلية، محتفظاً بقطاع النقل.

وفي الرئاسة، انتقلت إدارة الديوان إلى لوناس مقرمان، القادم من وزارة الشؤون الخارجية.

فالتعديل جاء بعد 42 يوماً فقط من التغيير الحكومي السابق، وبعد عشرة أيام من انتقادات الرئيس لتصريحات سعيود بشأن الأسعار، وفي أعقاب شغور منصب مدير ديوان الرئاسة.

وإذا كان تعيين مقرمان مرتبطاً بضرورة شغل منصب أصبح شاغراً، فإن إعادة توزيع حقيبتي الداخلية والنقل تطرح أسئلة مختلفة حول تقييم تجربة الجمع بين القطاعين، وأسباب إعادة مراد إلى الداخلية.

وإلى أن تظهر معطيات رسمية إضافية، يبقى هذا السؤال مفتوحاً، بينما تظل النتيجة المؤكدة أن التعديل الحكومي الجديد غيّر توزيع المسؤوليات بعد 42 يوماً فقط من التعديل السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى