الحدث

الجزائر تعزز حضورها العسكري والاستخباراتي في الساحل

من استقبال وزير الدفاع النيجري في قصر المرادية إلى اجتماعات أجهزة الاستخبارات الإفريقية بالجزائر والمشاركة في مكافحة تهريب الأسلحة بنيجيريا، تكثف الجزائر تحركاتها الأمنية والدبلوماسية في منطقة الساحل، في مسعى لتعزيز نفوذها الإقليمي وتأكيد دورها في حماية أمن المنطقة واستقرارها.

تشهد الدبلوماسية العسكرية الجزائرية حركية لافتة خلال الأيام الأخيرة، تعكس اهتماماً متزايداً بالتطورات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل الإفريقي، في وقت تتسارع فيه التحولات العسكرية وتتداخل فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية.

وتأتي هذه التحركات بعد تصريحات رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، التي أكد فيها أن الجزائر ليست طرفاً خارجياً في الأزمات التي تشهدها المنطقة، بل دولة معنية مباشرة بأمن واستقرار جيرانها.

وجاءت تصريحات شنقريحة يوم 10 أكتوبر، خلال زيارة تفقدية إلى الناحية العسكرية الثالثة ببشار، حيث شدد على أن أمن الساحل يمثل امتداداً للأمن القومي الجزائري، وأن مقاربة الجزائر لا تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تشمل التنمية الاقتصادية والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

ولم تمض سوى ثلاثة أيام على هذه التصريحات حتى شهدت الجزائر سلسلة من اللقاءات والتحركات الأمنية، أبرزها الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الدفاع النيجري، الفريق ساليفو مودي، إلى الجزائر يوم أمس 13 أكتوبر، حيث استقبله الفريق أول بمقر أركان الجيش، قبل أن يحظى باستقبال من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بحضور وزير الخارجية أحمد عطاف.

ويمنح استقبال الوزير النيجري على مستوى رئاسة الجمهورية أهمية سياسية خاصة لهذه الزيارة، إذ يعكس رغبة الجزائر في الارتقاء بالعلاقات العسكرية مع نيامي إلى مستوى أوسع من التنسيق الاستراتيجي، في ظل التحديات الأمنية المشتركة على الحدود الجنوبية.

وبحسب بيان وزارة الدفاع الوطني، تناولت المحادثات بين شنقريحة ومودي واقع التعاون العسكري الثنائي وسبل تعزيزه، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. كما حضر اللقاء عدد من كبار المسؤولين العسكريين الجزائريين، بينهم قادة القوات البرية والجوية والدرك الوطني، في مؤشر على أهمية الملفات المطروحة للنقاش.

ويأتي هذا التقارب في سياق إعادة تنشيط العلاقات الأمنية بين الجزائر والنيجر، بعد فترة شهدت فيها منطقة الساحل تغيرات عميقة في التحالفات العسكرية والسياسية، خصوصاً عقب تشكيل تحالف دول الساحل الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وبالتوازي مع هذا التحرك الثنائي، تستضيف الجزائر خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 15 أكتوبر ورشة إقليمية للجنة أجهزة الاستخبارات والأمن الإفريقية، المعروفة اختصاراً باسم «سيسا»، بمشاركة ممثلين عن الجزائر وليبيا وموريتانيا، تحت رئاسة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية للمكتب الإقليمي لشمال إفريقيا.

وتتناول هذه الاجتماعات التهديدات الأمنية المرتبطة بانتشار المخدرات والاتجار بها، إلى جانب تعزيز التعاون وتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية الإفريقية. كما يتضمن البرنامج اجتماعاً على مستوى المديرين العامين للأجهزة المعنية اليوم 14 أكتوبر، بمشاركة هيئات إفريقية متخصصة في مكافحة الإرهاب والتعاون الشرطي.

وتكتسي هذه اللقاءات أهمية بالنظر إلى الترابط المتزايد بين شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والجريمة المنظمة والجماعات المسلحة التي تنشط في أجزاء واسعة من الساحل والصحراء، ما يجعل التنسيق الاستخباراتي أحد العناصر الأساسية في مواجهة هذه التهديدات.

وفي تحرك أمني آخر، تشارك الجزائر في برنامج إقليمي بالعاصمة النيجيرية أبوجا، انطلق يوم 12 أكتوبر ويستمر إلى غاية 16 من الشهر نفسه، ويجمع ممثلين عن اثنتي عشرة دولة إفريقية، بينها مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وليبيا.

ويخصص البرنامج، الذي يحظى بدعم مؤسسات أمنية إفريقية ودولية، بينها الإنتربول والأفريبول، لتطوير قدرات الأجهزة المختصة في تحديد مصادر الأسلحة الخفيفة وتتبع مسارات تهريبها، من خلال تبادل الخبرات والتدريب على تقنيات التعرف على الأسلحة وتسجيلها وإعادة بناء شبكات تداولها غير المشروع.

وتبرز أهمية هذه المبادرة في جمع ممثلين عن الجزائر ودول تحالف الساحل الثلاث ضمن إطار أمني واحد، رغم التباينات السياسية التي طبعت علاقات الجزائر ببعض هذه الدول خلال الفترة الماضية، ولا سيما مالي.

وتكشف هذه التطورات المتزامنة عن توجه جزائري يقوم على تنويع أدوات الحضور الأمني في الساحل، من خلال الجمع بين التعاون العسكري المباشر مع الدول المجاورة، والمشاركة في الأطر الاستخباراتية الإفريقية، والانخراط في المبادرات الإقليمية الرامية إلى مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

كما تعكس إدراكاً جزائرياً بأن التحديات الأمنية على الحدود الجنوبية لم تعد مرتبطة حصرياً بنشاط الجماعات الإرهابية، بل أصبحت تشمل شبكات الجريمة العابرة للحدود وتجارة الأسلحة والمخدرات، فضلاً عن التداعيات المحتملة للتنافس بين القوى الأجنبية على النفوذ في المنطقة.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات شنقريحة بشأن عدم اعتبار الجزائر طرفاً خارجياً في أزمات الساحل دلالة سياسية وعسكرية تتجاوز مضمونها المباشر، إذ تؤكد أن المؤسسة العسكرية الجزائرية تنظر إلى استقرار الدول المجاورة باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الوطني، وليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية.

غير أن هذه المقاربة تواجه تحديات معقدة، أبرزها استمرار التوترات في شمال مالي، وتغير طبيعة التحالفات الأمنية في المنطقة، وتنامي حضور أطراف دولية وإقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري.

وبينما يبدو التقارب مع النيجر أكثر وضوحاً على المستوى العسكري، تظل العلاقات مع مالي محكومة بحسابات سياسية وأمنية دقيقة، في حين تحتفظ الجزائر بقنوات تعاون متعددة الأطراف مع ليبيا وموريتانيا وبقية دول الساحل.

وعليه، فإن التحركات المسجلة بين 10 و14 أكتوبر لا تعني بالضرورة إعلان عقيدة عسكرية جديدة أو التحضير لتدخل مباشر، بقدر ما تعكس محاولة جزائرية لتعزيز موقع البلاد في المعادلة الأمنية الإقليمية، وترجمة خطابها بشأن الارتباط العضوي بين الأمن الوطني واستقرار الساحل إلى نشاط دبلوماسي وعسكري واستخباراتي متواصل.

واللافت في هذه التحركات أنها تأتي في وقت تشهد فيه منطقة الساحل إعادة تشكيل لموازين القوى والتحالفات، ما يضع الجزائر أمام تحدي الحفاظ على دورها التقليدي كفاعل إقليمي مؤثر، مع التكيف مع واقع أمني وسياسي لم تعد تتحكم في مساراته العواصم الإفريقية وحدها.

ويبقى الرهان الأساسي بالنسبة إلى الجزائر هو مدى قدرتها على تحويل هذه الاتصالات واللقاءات إلى تعاون أمني مستدام، يسمح بمواجهة التهديدات المشتركة ويحافظ في الوقت نفسه على توازن علاقاتها مع مختلف دول المنطقة، في ظل تنافس متزايد على مستقبل الساحل الإفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى